
بقلم : خالد الطويل
لم يعد حضور المنتخب المغربي في نهائيات كأس العالم مجرد مشاركة من أجل اكتساب الخبرة أو تحقيق نتائج مشرفة … بل أصبح مشروعاً رياضياً متكاملاً يحمل طموحات شعب بأكمله … ويعكس حجم التطور الذي عرفته كرة القدم المغربية خلال السنوات الأخيرة . وما يقدمه “أسود الأطلس” في مونديال 2026 يؤكد أن الإنجاز التاريخي الذي تحقق في النسخة السابقة لم يكن وليد الصدفة … وإنما ثمرة عمل طويل … ورؤية واضحة … واستثمار حقيقي في الإنسان والبنية الرياضية .
لقد دخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم بثقة كبيرة … وهو يدرك أن الأنظار العالمية أصبحت تتابعه باعتباره أحد أبرز المنتخبات القادرة على منافسة كبار الكرة العالمية . ورغم قوة المجموعة التي ضمت منتخبات ذات تاريخ عريق … فقد أثبت اللاعبون منذ المباراة الأولى أنهم يمتلكون الشخصية الكروية القادرة على مواجهة أقوى المنافسين دون خوف أو تردد .
وكان التعادل أمام المنتخب البرازيلي في افتتاح المشوار رسالة واضحة إلى جميع المنتخبات بأن المغرب لم يعد ذلك المنتخب الذي يكتفي بالدفاع وانتظار الفرص … بل أصبح فريقاً يفرض أسلوبه … ويجيد الاستحواذ … ويملك القدرة على صناعة اللعب وخلق الفرص أمام أي منافس مهما كانت قيمته الفنية . ثم جاء الفوز على المنتخب الاسكتلندي ليؤكد أن الأداء لم يكن مجرد ومضة … بل يعكس استقراراً في المستوى وروحاً جماعية عالية . وفي الجولة الأخيرة … نجح المنتخب المغربي في تجاوز منتخب هايتي برباعية مستحقة … ليضمن التأهل إلى دور الـ 32 في المركز الثاني خلف البرازيل … بعدما قدم أداءً مقنعاً أكد من خلاله أنه أحد أبرز المنتخبات المرشحة لمواصلة المشوار .
هذا المسار لم يكن وليد الحظ … وإنما نتيجة عمل متواصل امتد لسنوات … اعتمد على تطوير البنية التحتية … والاهتمام بالفئات السنية … واستقطاب أفضل الكفاءات التقنية … إلى جانب منح الثقة للاعب المغربي الذي أثبت حضوره في أقوى البطولات الأوروبية . واليوم يجني المغرب ثمار هذا المشروع الرياضي الطموح الذي أصبح محل إشادة داخل الأوساط الكروية العالمية .
ومن بين أبرز نقاط القوة التي ظهرت خلال البطولة … قدرة المنتخب المغربي على التعامل مع مختلف سيناريوهات المباريات . فعندما يحتاج إلى الدفاع … يدافع بتنظيم كبير … وعندما يهاجم … يفعل ذلك بثقة وسرعة وفعالية . كما أن الانتقال السريع من الدفاع إلى الهجوم أصبح أحد أهم الأسلحة التي يعتمد عليها المنتخب لإرباك منافسيه .
كما أن الروح الجماعية التي تميز جميع اللاعبين تعد من أهم أسرار النجاح . فلا وجود لفردية مفرطة أو بحث عن المجد الشخصي … بل هناك رغبة مشتركة في خدمة المنتخب الوطني وتحقيق حلم ملايين المغاربة . وهذا ما جعل الجميع يلاحظ الانسجام الكبير بين جميع الخطوط … سواء في الدفاع أو الوسط أو الهجوم .
ولا يمكن إغفال الدور الكبير الذي يقوم به الجهاز الفني … الذي نجح في إعداد اللاعبين ذهنياً وبدنياً … وقرأ المباريات بذكاء كبير … مع حسن توظيف عناصر المنتخب وفق إمكانيات كل لاعب . كما أن التغييرات التي يتم إجراؤها أثناء المباريات غالباً ما تمنح الإضافة المطلوبة … وهو ما يعكس عمق المجموعة وجودة العناصر الموجودة على دكة البدلاء .
أما الجماهير المغربية … فقد كانت كعادتها حاضرة بقوة في مختلف الملاعب … حيث صنعت لوحات رائعة … وأرسلت رسائل حضارية للعالم بأسره . ولم يكن تشجيعها مجرد حضور في المدرجات … بل كان دعماً نفسياً ومعنوياً كبيراً للاعبين … الذين شعروا بأن خلفهم شعباً كاملاً يؤمن بقدرتهم على تحقيق إنجاز جديد .
واليوم … ومع بداية مرحلة خروج المغلوب … ترتفع درجة الصعوبة بشكل كبير . فهذه المباريات لا تقبل التعويض … وأي خطأ قد يكلف الكثير . لكن المنتخب المغربي يملك من النضج والخبرة ما يجعله قادراً على التعامل مع هذه الضغوط … خاصة وأن معظم لاعبيه اعتادوا خوض المباريات الكبرى مع أنديتهم في مختلف المسابقات القارية والعالمية .
إن المرحلة المقبلة تتطلب مزيداً من التركيز … واللعب بالروح نفسها التي ميزت المنتخب منذ بداية البطولة … مع استغلال الفرص المتاحة أمام المرمى بأفضل طريقة ممكنة … والمحافظة على الصلابة الدفاعية التي أصبحت إحدى العلامات البارزة لهذا المنتخب .
ويبقى الأمل كبيراً في أن يواصل “أسود الأطلس” كتابة التاريخ … وأن يمنحوا الكرة المغربية إنجازاً جديداً يضاف إلى سجلها الحافل . فالإمكانات متوفرة … والثقة حاضرة … والدعم الجماهيري لا حدود له … وكلها عوامل تجعل الحلم مشروعاً والطموح مشروعاً أيضاً .
لقد أصبح المنتخب المغربي يمثل مدرسة كروية متطورة … ونموذجاً يحتذى به في التخطيط والعمل والاستمرارية . وإذا واصل اللاعبون تقديم الأداء نفسه … وحافظوا على روحهم القتالية … فإن كل شيء يبقى ممكناً في عالم كرة القدم … وقد يكون مونديال 2026 موعداً مع إنجاز جديد يخلده التاريخ بأحرف من ذهب … ويمنح المغاربة لحظات فخر ستبقى راسخة في الذاكرة لسنوات طويلة …
