برحيل الأستاذة فاطمة بلمليح … تنحني الأقلام وتبكي القلوب وتفقد الأجيال أما من أمهات التربية والتعليم
بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره ، وبحزن يفوق الوصف ، وبأسى عميق يعتصر النفوس ، تلقينا نبأ وفاة الأستاذة الفاضلة فاطمة بلمليح ، المربية الجليلة التي ترجّلت اليوم عن صهوة العطاء بعد رحلة طويلة من البذل والتضحية والإخلاص ، تاركة وراءها إرثا إنسانيا وتربويا سيظل خالدا في ذاكرة كل من عرفها أو تتلمذ على يديها أو تشرف بمرافقتها في مسيرتها النبيلة .
إن بعض النساء لا يرحلن كغيرهن من الناس ، لأنهن لا يعشن لأنفسهن فقط ، بل يعشن للآخرين ، يزرعن المحبة في القلوب ، والأمل في النفوس ، والعلم في العقول ، والطمأنينة في البيوت . وكانت الأستاذة فاطمة بلمليح واحدة من هؤلاء النساء الاستثنائيات اللواتي كتبن أسماءهن بحروف من نور في سجل الوفاء والعطاء .
عرفناها أما رؤوما قبل أن تكون أستاذة ، وإنسانة طيبة قبل كل شيء ، صاحبة قلب كبير وروح نقية وابتسامة صادقة ، لا تبخل بالمحبة ولا بالكلمة الطيبة ولا بالمساندة . وكانت ترى في كل تلميذ ابنا لها ، وفي كل نجاح لتلامذتها جزءا من رسالتها التي آمنت بها وأخلصت لها حتى آخر يوم من حياتها .
لقد أفنت الراحلة أكثر من ثلاثين سنة من عمرها في خدمة المدرسة المغربية ، تحمل الطباشير بيد ، وتحمل الأمل باليد الأخرى ، تبني الإنسان قبل أن تلقنه الدرس ، وتربي الضمير قبل أن تمنح المعرفة ، وتغرس في الأجيال قيم الاحترام والاجتهاد والانضباط وحب الوطن .
واليوم ، وهي تغادر هذه الدنيا الفانية إلى جوار رب كريم رحيم ، لا ترحل معها الذكريات ولا يرحل أثرها الطيب ، بل تبقى حاضرة في وجدان أجيال من التلاميذ الذين حملوا من علمها وأخلاقها ما سيبقى شاهدا لها عند الله وعند الناس .
ولعل أكثر ما يجعل هذا الرحيل موجعا ، أن أبناءها ومحبيها كانوا قبل أسابيع فقط يستبشرون بتعافيها بعد العملية الجراحية التي خضعت لها ، وكانت الفرحة تغمر البيت بعودتها إلى أحضان أسرتها ، غير أن إرادة الله فوق كل إرادة ، وأن ما عند الله خير وأبقى .
وفي هذا المصاب الأليم ، نتقدم بأحر التعازي وأصدق مشاعر المواساة إلى أبنائها البررة :
الأستاذ صفوان إدريسي منصوري .
والأستاذ طه إدريسي منصوري .
والأستاذ محمد منصوري إدريسي .
والأستاذة سحر منصوري إدريسي .
وإلى كافة أفراد الأسرة الكريمة ، وإلى كل تلامذتها وزملائها ومحبيها ، سائلين المولى عز وجل أن يربط على قلوبهم ، وأن يجعل الصبر والسلوان رفيقهم في هذه اللحظات العصيبة .
ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل كل حرف علمته الفقيدة صدقة جارية في ميزان حسناتها ، وكل تلميذ نجح بفضل توجيهها شاهدا لها بالخير يوم القيامة ، وأن يجازيها عن سنوات التضحية والعطاء خير الجزاء .
اللهم إن فاطمة بلمليح قد انتقلت إلى جوارك الكريم ، وهي التي أفنت عمرها في تعليم عبادك وتربية أبنائهم ، فاللهم أكرم وفادتها ، واجعل الجنة دارها ومستقرها ، واغفر لها وارحمها ، وعافها واعف عنها ، وأكرم نزلها ، ووسع مدخلها ، واجعل قبرها روضة من رياض الجنة ، واجمعها بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين .
رحلت الأستاذة فاطمة بلمليح عن الدنيا ، لكن المربين الحقيقيين لا يموتون أبدا . يبقون في الدعوات الصادقة التي تخرج من أفواه تلامذتهم ، وفي الدموع التي تنزل من عيون أبنائهم ، وفي الأثر الطيب الذي يتركونه في حياة الناس .
رحم الله الأستاذة فاطمة بلمليح رحمة واسعة بقدر ما أعطت ، وبقدر ما أحبت ، وبقدر ما زرعت من خير في هذه الدنيا .
إنا لله وإنا إليه راجعون …


